الخميس، 10 مايو 2018

الخارجات من السجون

           بمجتمعنا أي خطأ صغير حتى لو كان بسيطًا جدًا لا يذكر فإنه قد يكون كفيلًا بأن يقلب حياة من أُدِينت به رأسًا على عقب. فبعد أي هفوة او خطأ تقع فيه إحدى الفتيات لتودع جراء ذلك بعدها بالسجن لأيام او شهور معدودة؛ وبعد قضاء مُدَّتها تأتي اللحظة الحاسمة التي ستخرج بعدها من السجن . لتبدأبعد ذلك لحظة الحقيقة والمواجهة مع عوائلهم؛ فهناك أُسرًا تغفر الزلات، أخرى تنسى وتتناسى معها من أخطأت وكأنها لم تولد، وأُسرًا أخرى لا ترتاح حتى تجهز على المُخطئة حتى وإن لم يكن خطأً أخلاقيًا فمجرد ذكر الإسم كاملًا كفيلًا بأن يوسمها بوصمة العار. بعض المُدانات في السجون حياتهم تغدو مظلمة بمستقبل موحش فلا واقعًا يرضى بهم ولا خيالًا يصور لهم حياةً مستقرة بمنزلٍ فارِه. فهذا العقاب الذي عاشوه في ظل البعد عن أُسرهم عاث بنفوسهم الكثير وحطم كبريائهم الذي بعد هذه التجربة بات من عداد المفقودين مع الشهور الطوال التي قضوها بين القضبان.

              فإنتهاء محكوميتهم والإستعداد لخروجهم من السجن لا يعني أن أيام الفرج قد بدأت ترفرف أمامهم. نستطيع التنويه بأن يوم خروجهم ليس يومًا سترتسمُ فيه ملامح الفرح على محياهم، لأنهم بين خيارين أمّا أن تستقبلهم أُسرهم التي لا يعرفون حقيقة نواياهم تجاههم؛ وأمّا في حال إمتناع أُسرهم استقبالهم يستضيفهم دار الرعاية إلى أن تؤثر عليهم تنهدات أم مكلومة على حال إبنتها ليرق بعدها عليها قلب أب وأخ. بخروج المسجونات يعم الظلام أرجاء واقعهم الذي سيغدون فيه في عداد المجهول. لكن على النقيض فـ بخروج المساجين تُضاء أنوار حياة كاملة وتتهلل القلوب بخروج المُدلل فيها.

              فالخارجات من السجون لا سجن يمحي خطاءهم، ولا مجتمعًا يغفرُ زلاتهم، ولا أهلًا يقبلون بواقع إبنتهم الذي غدى من الماضي. فخوفهم من الأتي بعد خروجهم يقتلهم ألف مرة؛ ببساطة لأنه لا جمال بحاضرهم حتى يحفزهم على رسم كل ما هو حسن بمستقبلهم. فالفكر يأبى أن يتقدم، والقلب يخاف من الخذلان، والبدن يقشعر من وحشات الغربة التي يعيشها سابقًا مع عقدة الذنب. فحالتهم جعلت أنفسهم تتوق للخلاص من كل ما يجعلها أسيرة الواقع والفكر والروح؛ فكل ما حولهم تنافى معهم لينفيهم في كهوف الألم. لذلك فحتى إن أُفرج عن الجسد تغدو الروح محبوسةً بمعية الفكر بين قُضبان الخطيئة.

              فبعد عناء السجن أرواحهم لا ترجوا إلّا حياةً كريمة تستقر بها بنفسياتهم لتعود فيها كرامتهم كالسابق، ليتنامى كبريائهم فيها. هم نِسوة مغلوبات لا تكفيهم إلّا كلمةً حانية، فـ تسعدهم ابتسامة قبول، وتريحهم إيماءة طمأنينة. لذلك إجعلوا من خروجهم فرجًا وخلاصًا لألآمهم ولا تجعلوا منه أسرًا أخر وبدايةً أخرى لإدماء قلوبهم وأرواحهم. أشعروهم أن العقاب كان كافيًا لمحو عذابهم؛ ولا تجدد بالعقاب ما داموا أحسنوا التوبة منه.


خُوذها قاعدة
وصمة العار التي تدفعكم للخلاص منهم ووأدهم لن تكسبكم راحة .. بل ستزيدكم خيبة أكثر من واقعهم الذي تخلصتم منه.



@HajarHawsawi
هاجر هوساوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق