الاثنين، 11 مايو 2020

موقعك ‏الإعرابي ‏من ‏الأزمة!

لسابقة في هذا القرن نعيش جائحة عالمية جعلت جميع سكان الأرض يعيشون على وتيرة ساخنة من الأحداث بنفس تفاصيل الظرف الطارئ متشاركين بذات اللحظة شدة وطأته عليهم ومتبنين جميعهم نفس الإجراءات الاستباقية والتدابير الوقائية. وتم ذلك ابتداءً من الاعتناء بأسوأ الحالات والمستقرة منها إلى تقصي الوباء وتنويع سبل الحد من انتشاره ثم إلى العمل على تثقيف المواطنين والمقيمين بأهمية الالتزام بالإجراءات الوقائية. وبسبب سرعة انتشار هذا الوباء العالمي الذي أجبر سكان الأرض على المكوث شهورًا في منازلهم احترازًا؛ انتشرت آراءً عديدة تباينت على اساسها وجهات نظر قاطني الأرض التي هي بالمقابل بدأت تتعافى ممن عاث في طبيعتها خرابًا.

 

فأحدهم كتب ساخطًا عن مكوثه في داره لفترات طويلة لم يعتاد عليها سابقًا؛ وآخر مهووسًا بالنبش وراء الحقائق ولا يتحدث إلّا عن نظرية المؤامرة وأن الحالة الطارئة التي يعيشها العالم لم تكن مصادفة أو ناتجة عن استهلاك ما لا يصلح للبشر بل أنها غدت بهذا السوء بفعل فاعل؛ وهناك من عبر حامدًا عن جميع النعم التي أنعم الله بها عليه ناشرًا بذلك الإيجابية على من حوله ومذكرًا إياهم برحمة الله وفضله وجزيل عطائه؛ وآخر ساخرًا قضى اغلب وقته في تأليف ونشر القصص الفكاهية "النكات" حتى يخفف وطأة أيام الحجر عليه وعلى غيره؛ وغيرهم مجتهدًا أمضى جُلَّ وقته بما يساعده على تطوير مهاراته ويدعم تخصصه ويقوي بها خبراته؛ وهناك متذمرًا أغرق من حوله في بحور سلبيته التي جعلتهم بالمقابل يختنقون منه ومن الأوضاع التي حكمت عليهم قضاء معظم أوقاتهم معه إجبارًا. وأكثرهم غرابة ذاك الذي نصب نفسه حكمًا وقاضيًا متحدثًا عن الأقدار فأفنى وقته في تقسيم حال العباد مصنفًا الوباء على بعض الخلق عقوبة وغضب وعلى البعض الآخر ابتلاء محبه وكأن الأمر بيده ناسيًا أن الأمر كله بيد الله عزوجل.

 

ورغم كل تلك الآراء الآنفة الذكر فالأحداث جعلت كل فردٍ منا يعيش بحالة تختلف عن الأخرى في تقبل الوضع والتعايش معه أو التذمر منه وكثرة الشكوى تعبيرًا لما آلو عليه. وكلاهما المتقبل أو الرافض قد يمران مع الوقت لمرحلة تبدأ فيها ذاتيهما بمراجعة أحوالهما وقياس ما قدماه لذاتيهما في الأيام الماضية وما سيقدمانه لها في المستقبل. فعلى الرغم من تحلي البعض بسمة التفاؤل والإيجابية المطلقة أو على النقيض بالتشاؤم من الوضع ونشر السلبية؛ فقد يقف بعضًا منهم على مفترق الانهزام أو التقدم والإنجاز وهوس تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر بلا تخلف وانكسار أو مفترق الرجوع لنقطة الصفر أو مفترق المكوث بذات الحالة بلا تطور وأسوئهم مفترق الصعود لكن للهاوية.

 

فشعور المرء بأن هذه الأيام تمضي إمّا بسرعة كبيرة أو ببطء شديد وهو لا يتقدم بذات النقطة التي كان عليها قبل أسبوع أو أسبوعين وشهر أو شهرين كفيلٌ ذلك بأن يشعره بأنه اختنق بخيبة البقاء بذات الحالة. واحساس ثبات الفرد على ذات المنوال رغم مرور الوقت قد يجعل شعور التجاوز الزمني طاحنًا كالآلة التي تسحق كل ما وضع بها وهي ساكنه لا تتحرك؛ فهو تجاوزًا زمنيًا يسحق طموح المرء وأهدافه رغم توفر جميع أدوات شغفه فيرى مجهوده المبذول أضحى هباءً.

 

لذلك وللحد من كل شعور يولد فيك خيبة البقاء والوقوف في ذات المكان؛ فما بين كل فكرة تطويرية وفكرة أخرى تثبط عزائمك اصنع خطواتك التي تساير بها التقدم الزمني واعبر معه بكل التفاصيل التي تسوؤك أو ترضيك فأنت ميزان افكارك. تتبع كل منصة تقدم محتوى يساعدك على تطوير ذاتك ومعرفة مكامن قدراتك ومواهبك الخفية. تعرَّف على شخصيات تحفيزية في محيطك أو في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي تشاطرك ذات الاهتمام حتى تشجعك على تجاوز الصعاب معها بعيدًا أي عوامل تجعلك متخلفًا وحدك عن الآخرين. وازن بين تطوير نفسك وبين راحتها ورفاهيتها فلا كسل متواصل ولا ضغط متواصل حد الافتراء على الذات وجلدها. اصنع الفارق ولا تكن أنت المفترق الذي يضع اغلب خططه المستقبلية على محك الانهيار. وأعلم بأن الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي لم يكن إلّا ليصنع لنا بوابة يعبر بها الجميع مستقبلًا للتقارب الدائم بإذن الله؛ لذلك كن ذلك السراج الذي يُستعان به لإضاءة مدارك المحيطين به بالنصائح والإرشادات الوقائية.

 

أخيرًا ثق بأنها أيام شداد مهما ثقلت على الجميع لكنها بالأخير أيامُ أزمةٍ وستمضي كسابقاتها؛ فكن بمعيتها خطوة بخطوة ولا تتراخى حتى لا تدوس عليك بتأثيرها وتتجاوزك في قارعة طريق من طُرقها التي أصبحت معتمة.

 

هاجر بنت عبدالله هوساوي

@HajarHawsawi

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق